منتديات بلدنا


 
الرئيسيةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلقائمة الاعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 من اعماق الصمت

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوالعدا
عضو متميز
عضو متميز


ذكر
عدد الرسائل : 484
الحالة الاجيماعية : اعـــــزب
النقاط :
0 / 1000 / 100

تاريخ التسجيل : 14/05/2007

بطاقة الشخصية
المستخدم:

مُساهمةموضوع: من اعماق الصمت   11.07.07 20:08



من أعماق الصمت ...!!!
جلست على مقعدي المتحرك خلف الاسلاك الشائكه وبين القضبان احمل في يدي كسرة خبز مبتلة وأقذف بفتاتها عبر الاسلاك ومن خلال سكون الصحراء وصمتها انطلقت عصافير الدويري ترقص وتزقزق , حلقت مفزوعة وحطت مهلوعه تلتقط الخبز ومن بين ضلوع الحزن خرج الصمت بصمت .. صمت الكلمات في زمن العجز . أشاح التاريخ بوجهه لدموع الرجال , رجال لا تستطيع تلبية استغاثة ولا نداء.. صورة ترتسم في خيالي .. صرخات النسوة وأنين وآهات الابناء .. آه منك يا زمن التعذيب بالقرعة .. يا دك التاريخ والقلعة ..في يوم ميلاد صبية على الحواجز, وتفتيش امرأة بالشارع, ماذا يعني خلع الاشجار وهدم جدار الدار .. وضعوا بين الجار والجار الف حاجز وجدار.. صادروا الحلم ووضعوا حاجز بين الزوج والزوجه .. حاجز موت , حاجز حقد ورعب ..
حلمت بابراهيم يوم الجمعة كنا نرتشف القهوة سويأ وفوق النرجيلة ولعه , امام الدار وتحت الدالية كانت امي (ام فتحي ) تعجن وتخبز, وأطفالنا يلعبون ويمرحون حول جدتهم يلتقطون من حرجها خبز الطابون المعجون بالسكر , والدالية شامخة تظلل على اسرة تورثتها عن الاب الاول الذي استشهد وهو يحبها ويرعاها , فقالت امي وهي تلوح بنظرها الى عناقيد العنب.. ما اجمل هذه الدالية وما اطيب ثمرها.. آه عليك يا ابو فتحي لو كنت حيأ وشاهدت ابناؤك واحفادك وهم يتراقصون ويشاغبون في ظل هذه (العنبه) , هاتوا يا اولاد مقاعدكم واقتربوا لاحدثكم عن هذه الدالية , سيطر الصمت والسكون وانصتنا بخشوع الى رواية امي وقصتها مع الدالية ... قالت وهي ترقرق في يديها كتلة من العجين هذه الداليه زرعت في سنة 67 قبل النكسه بأيام وكان هناك شجرة لوز امام البيت الذي نسفه الاحتلال عام 69 بعد اعتقال المرحوم بشهرين .. قالت امي .. اذكر عندما حضر الجيش الى بيتنا القديم وأمر بأخلاء البيت في خمسة دقائق .. الفترة الممنوحة لنا لم تسعفنا لاخراج اغراضنا .. حاول المختار التدخل للسماح لنا بمزيد من الوقت ولكن الضابط الاسرائيلي قال له صاحب هذا البيت قتل من اليهود الكثير وفجر في بيوتهم عبوات ناسفه وتطلب مني التعاطف مع عائلته ؟؟ كان غاضبأ مهتاجأ ورأيت في عينيه رغبة قوية بأطلاق النار عليكم وأنتم كنتم صغار ... فقلت له اذا كان هدم البيت يشفي غليلك أنسف ولا تسأل ..قالت امي وهي تنظر في عيوننا وتتفحص اهمية هذا الموقف ..قلتها بأمر.. ولم يرعبني تهديده لنا .. شاط غبأ وسحبني من يدي الى خارج هذه الساحة وطلب من المختار ان يبعد السكان الى اعلى سفحة في القرية وبعد ذلك سمعنا صوت انفجار عنيف هز المنطقة بأكملها .. وفي السماء تطايرت اشلاء البيت الذي احببته .. صمتت امي .. تنهدت من الاعماق وذرفت دمعه .. كانت هذه الدمعه اكثر تعبيرأ من كل اللغات .. عبرت من خلالها مدى ارتباطها بذاك البيت المتواضع .. ومرة أخرى نظرت الى الدالية وقالت وهي تلملم جراحها .. هرع جميع اهل القرية الى هذا المكان الذي اتسع حشد لم ارى مثله في حياتي.. وتزاحمت النساء وهن يقبلن علي لمواساتي بينما كان ذهني شاردأ مع تلك الذكريات التي تطايرت في سماء القرية وكنت اسير بخطى سريعة لعلي التقط بعض الذكريات ..وكنت ارى اشلاء البيت متناثرة هنا وهناك وأنحني عليها وأقبلها .. وأكثر ما شدني الدالية التي كانت في عمر الزهور.. خضراء يانعه ..كانت تتدلى على الانقاض وتكسرت بعض العروق.. فبكيت عليها بمرارة وحسرة .. هذه الدالية التي احبها ( ابو فتحي) وكان يحنو عليها بحنانه وكأنها ابنته .. ويسقيها كل يوم بعد ان يسمي عليها .. فلم يبقى سوى جذر يربطها بالارض وبضعة اغصان .. قالت أمي وعيناها تنغرس في ذاك الجذع القديم.. لم تكن هذه الدالية لتحيا لولا انني تجرعت الالم على حالها وبدأت التقط الحجارة من حولها والملم اشلائها من هنا وهناك وغرست عصا في الارض لاثبت به أغصان الدالية .. نظرت حولي لاجد اهل القرية يتجرعون الالم على حالتي وكانوا يرددون كلام كثير يعربون فيه عن تعاطفهم الشديد مع هذا الموقف .. نهضت امي لتضع اقراص العجين في الطابون وقالت هنا مكان هذا الطابون او بالقرب منه كانت شجرة الرمان وهناك شجرة اللوز لم يبقى لهما اثر .. آه قالتها وهي تبتلع مرارة ذاك المشهد الذي يسيطر على خيالها وذاكرتها .. وكنا نجلس حولها وننتظر ان تكمل حديثها الذي شدنا الى درجة ان كل واحد فينا بدأ ينسج القصة التي سمعها حسب فهمه لها وفي النتيجة كنا في غاية اللهفة لمعرفة المزيد .. قال ابراهيم , انا اذكر وانا صغير بعد نسف الدار لدغتني عقربة شقراء وكان يتطلع الى امي لتكمل تفاصيل قصة العقربة واستطاع ان يفرض عليها الموقف حيت اشاحت بوجهها وهمهمت واعترى ملامح وجهها الغضب وكانها تعاتب الزمن وهي تهز رأسها بقلق وقالت .. وقتها لم يجرؤ احد من القرية على ان يدخلنا بيته خوفأ من ضابط المخابرات الذي هددهم بأنه سينسف أي بيت يأوينا .. وبقينا هنا تحت الدالية وتلك التينة التي كانت اكبر شجرة حينها .. افترشنا الحصيرة على التراب وما تبقى من الاغطية والفراش .. وما كنا نحتاج الى سقف لو بقيت الدالية على حالها ولكنني أردت ان نقيم هنا داخل حدود هذا المنزل ولم اطلب المساعدة من أحد بعد أن غادر الجميع الى بيته واسرته بقينا مع الاطلال والدمار والالم لوحدنا نتطلع الى تلك الليلة كيف سنقضيها .. كانت ليلة ليس لها مثيل قالت امي وهي ترفع هامتها وتطلق العنان لخيالها الذي اعادها الى تلك الليلة بكل ما فيها من آلام وحرمان ..قضينا تلك الليلة وكأنها دهر بأكمله .. انتم كنتم نيام وانا احاول احاطتكم من كل جانب غفوت ولم ادري كيف خانتني عيناي من شدة التعب والدموع تنحبس فيهما وما صحوت لولا صرخة ابراهيم التي هزت كياني ومزقت قلبي .. للوهلة الاولى ظننت بأنه يحلم .. واقتربت منه لاحتضنه واذا به يصرخ اكثر واعنف ويتلوى وهو يحاول خلع قميصه ... لم اصدق ان كل هذا حلم .. سألته مالك يا ابراهيم قال وهو يبكي ويشير الى ظهره (عقربه) فصرخت صرخة ارعبت كل الحي ولم ادري ماذا افعل ومزقت القميص مباشرة واذا بها عقربة شقراء تسعى على جسد ابراهيم (الطفل) ولا ادري كيف التقطتها بيدي بعد ان افرغت سمها في ظهره وكنتم انتم تنظرون الى ابراهيم ووجوهكم شاحبة واجمة لا تستطيعون فعل شيء الا البكاء والعويل .. وأنا بدأت أصرخ من اعماقي بأعلى صوتي وألعن وأشتم وأستغيث حتى حضر من الجيران من تملك الجرأة .. وهنا كرهت كل الناس .. وزادت قناعتي بأن الرجال كلهم ماتوا بعد (ابو فتحي) الذي لم يكن ليهدأ لو كان هذا الحال عند اخرين وهو موجود.. المهم حملو ابراهيم الى العياده في القرية بعد ان تورم ظهره من شدة لدغات تلك العقربة .. وبدأت ابكي وارثي حالكم بكلمات لم اتصور انني قلتها حيث اذكر منها ...
(يا حسرتي وانا صرت اليوم منهان .. ابكي دموعي نجوم الليل اراعيها )
(اولادي تحت الشرد والبرد والقحطان .. تمرض ويعجز الطبيب يداويها)
(افراخ صغار بحوش الدار ولدان.. لو جاعت من لحمي اطعميها )
(ابراهيم يا ابني انا الغلطان .. نامت عيوني من شدة التعب فيها)
(الله يعين ابو فتحي على السجان ..ويعيني على اولادي تا اربيها )
ويبقى للحديث بقيه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
من اعماق الصمت
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات بلدنا :: ساحات بلدنا ::   :: الساحة العامة-
انتقل الى: